انها ام البطولات في زمن الشدائد وام السلام في زمن القصائد. مجدل عنجر هي إحدى القرى اللبنانية من قرى قضاء زحلة في محافظة البقاع.

2013/03/20

مَجدَلِيَّات 5 - للاستاذ هاشم يوسف




الشيخ اسماعيل,
اسماعيل جمعه, معروف باسم اسماعيل جوريّه, عرفتُه سَكّافاً يترك بيته في الصباح إلى دكانه الصغير في الساحة, يجلس على كرسيِّه طيلة النهار لا يتزحزح إلا في أوقات الصلاة فيخطف نفسه الى بيته القريب ويعود. السيكارة لا تفارق شفتيه ودائماً ما كان رماد سيكارته فرجة للرائي لكثرة ما يستطيل.. كان أمياً لايعرف قراءة ولا كتابة, ولكنه يتمتَّع بموهبة أن يحفظ على السمع ما يعجز القرّاء عن حفظه من الكتب.
دائما كان يُنادى بالشيخ اسماعيل, ولهذا سبب أنه كان في شبابه يحضر جلسات النوْبة والأوراد والأذكار.. وكثيراً ما كان يصل الى حالة ما كانوا يسمونه في حينه (طَوَّر) وقد تكون حقيقة الكلمة " ثوَّر" ففخّموا الثاء وقالوا طوَّر, وهذه حالة إيمانية بمفهوم أصحابها على الأقلّ فكان أحدهم يجلس في حلقة الذِكر ويقرأ ويقرأ ويقرأ ويصل إلى حالة شبيهة بالغيبوبة أوالإستسلام لشعوره الديني فيروح بصوفية تجعله وكأنه خرج من ذاته فذاب مع ربه ولم يعًد يشعر إلا بما بين خالقه وبينه.. وكان الشيخ سيداً في ممارسة هذا الطقس الديني فكان حين يُطَوِّرُ يقف على رجليه فيحلجُ ( يرقص ) في جنبات الغرفة ويدقُّ قدمه في الأرض بقوة .. فأطلقوا عليه لقب "الشيخ مْدَقَّه " .. فلقب الشيخ آتٍ من تديُّنه, ولقب مْدَقَّه من دَقِّ رجلِه في الأرض في الأذكار.. والرجلُ كان يحظى باحترام الجميع وما خاطبه أحدٌ قطُّ باسمه.. إلا قالوا : شيخي.. أو شيخ اسماعيل .
كان إذا تكلَّم أسكَتَ وهولا يسكت, وكان يوحي وكأنه يتكلم عن قصة حقيقية والتشوُّقُ يطغى على جلسائه, وبلغت براعته في حَبْك الرواية الى درجة أن مستمعه لا يمكن أن يتوقع النتيجة كما حالنا مع الأفلام العربية اليوم.. ويبقى السامع مبهوراً مع سياق الحديث وفجأة يتوقف الشيخ في لحظة ساخنة ليخرِج النهاية الضّاجَّة بالفجأة والإدهاش .
هذا الرجل المليئ الذي أكرمه الله بموهبة الحفظ على السمع حفظ من الآيات والأحاديث الكثير.. وتمَتّع بموهبة الحَبْكِ والتأليف أيضاً.. لأنه لا يمكن أن يتخيَّل أحدنا أن الرجل حفِظَ هذا الكمُّ من مخزوناته الفكرية عن طريق مجالسته وهو لم يكن يجالس مُحَدثين بالعكس كان له مجلسه في دكانه نهاراً, وفي سهراته اليومية ليلا كانت له صدور المجالس وهو يعرف أنه مدعوٌّ ليتكلم وكان كريماً ولا يحتاج لكثير وقت ليبتدئ. ولو سألنا أنفسنا من أين له كل هذه القصص والروايات والنهفات التي ينثرها على الناس وكل واحدة يقولها بما يناسب المقام لو سألنا من أين كان يأتي ببضاعته لا نجد إلا أنه كان يأتي بها أو بأغلبها من عنديّاته لأنه لا مصدر آخر موجود حوله يغرف منه.
ذات مرة, كنا في دكان الشيخ وهو كعادته يحدّث.. وصدف أننا في نوبة ضحك ودخل السيد أحمد اسماعيل العجمي, وهو على ما أعتقد مُجايلٌ للشيخ ومن مجالسيه أحياناً وكان ضحم الجسم كبير البطن يمشي وبيده عكازه وقد عَزَّ عليه أن يرى صديقه يُحدّث من هم دونه عمراً.. وقد اعتبر ضحكنا بمثابة ضحك على الشيخ .. وهو بدل أن يلقي السلام فاجأنا بقوله للشيخ: ( يقطع عمرَكْ.. من جيل ولادكْ عامِللهن مهترجي وعم يضحكوا عليكْ..) وانتفض الشيخ لفوره وقاس الرجل بعينيه من أعلى إلى أسفل وقال: ( ماشالله ماشالله .. بْيَاكُلْ بالأرطالْ , بْيشرَبْ بالأسطالْ , بيعُدّْ حالو من الأبطال , فهدا كلام بَطَّالْ .. طلاع لبرَّه طلاع.. ) وتوقعنا نحن الضاحكون معركة بين كبيرين.. وكان الغريب أن السيد أحمد اتكأ الى الحائط وراح يضك من كل قلبه ويقول (يخرب بيتك يا شيخ اسماعيل منين بتجيب هالكلمات .. يبعت لَ لسانك القص نشالله ) تخيّلوا, مدى العلاقة, فلا الشيخ أعلن الحرب على صاحبه لما بدأه به.. ولا السيد العجمي دَقَّ طبوله لما رَدَّ به عليه الشيخ.. وكانوا يختمونها باعتذار قصير مفاده (ولَوْ أنا بزعل مِنَّكْ ؟). نعم هكذا كانوا.. ونِعمَ الرجال.
طرفة ثانية للتدليل على حضور الشيخ اسماعيل وبداهته اللامحدودة.. فقد كان له ابنَ خالةٍ من أهلنا الأكراد في حيّ ركن الدين بدمشق, بينهما معرفة, وقد يلتقيان بالصدفة أو لمناسبة كبيرة كل بضع سنوات.. وذات يوم فوجئ الشيخُ بقريبه يقرع بابه فرحَّبَ به وأكثر.. وسَرَّه أن يبادر ابن خالته لزيارته.. وراح في إكرامه الى أبعد الحدود وهو شديد الفرح ويكاد لا يجد ما يُقابل زيارة ابن خالته وقد أثرَّت به وجعلته يتمنى لو فكَّر هو بالقيام بذلك واعتبرها مكرمة سبقه قريبه عليها وامتد الوقت وفي آخر السهرة وقبل أن يخلدا للنوم قال ابن الخالة ما يعني أن لزيارته سبب وقدَّمَ لذلك بالحديث عن الوضع الإقتصادي الصعب ثم وصل إلى أنه سمع بغلاء العقارات في لبنان وهو يشترك مع الشيخ وآخرين من أقربائه إرثاً لجهة أمه وقد قدِم لهذا الغرض لأنه يريد أن يبيع حصته ويستفيد بثمنها.. وفوجئ الشيخ اسماعيل وشعرَ أنه خسِرَ كل المشاعر الجميلة التي امتلأ بها منذ وصول قريبه وحاول أن يُفهمه أن الإرث الذي يتكلم عنه ليس بذات قيمة أصلاً وهو إن توَزَّع على المستحقين وهم كُثُر فالنتيجة لا توازي كلفة تحرير الأرض وإعطاء كل ذي حقٍ حقَّه.. ولم يقتنع الرجل بالجواب بالعكس فقد أهان الشيخ بحديث أعقبه نكته, كلاهما الحديث والنكتة يعنيان أن الفلاحين قساة يأكلون الحقوق ولا يعطونها لأصحابها.. وعَزَّ على الشيخ والرجل في بيته.. ولكنه لم تعجزه نكتة تناسب المقام فقال: ( كان يا ما كان بقديم الزمان واحد كردي مات, حضر ملك الموت وسأله: ما دينكَ؟ قال الكردي : ناظانيه.. يعني ما بعرف. قال الملك , من ربك ؟ قال ناظانيه.. من نبيك؟ قال ناظانيه.. ولم يفهم ملك الموت معنى ناظانيه.. فترك الرجل وذهب الى النبي فسأله : هل في أمتك من يقول ناظانيه؟ قال أبداً ليس في الإسلام من يقول هذا.. تركه وذهب لعيسى فسأله نفس السؤال وسمع الجواب نفسه.. فذهب لموسى وهذا قال له اسأل ربك إذا كان خلق أحد يعرف هذه اللغة .. فذهب الملك إلى ربه وسأله فقال الله أنا لم أخلق بشراً يتحدثون هذا .. فلعله خِلقة الشيطان.. وذهب الملك الى الشيطان يسأله وقال له هذا لن أجيبكَ حتى تروي لي حكايتك.. وروى الملك الحكاية وأن الأنبياء لم يعترفوا بالكردي والله كذلك ونصحه بسؤال الشيطان.. فانتفض الشيطان غاضباً وقال ماشالله ماشالله كلّ خِريه بلزقوها بالشيطان.. ووقف الكردي يريد عراكا وقد احمرّ وجهه من الغيظ وهو يصرخ.. الكردي خِريه يا اسماعيل؟ قال الشيخ يا عمي أنا ما قلت .. الشيطان قال ألله يلعنو ) وانتهت القصة بمشادة لا تهمنا فقط أردت من الحديث التدليل على سرعة بديهة الشيخ وقدرته على الإجابة المحكمة وكيف أنه لا يتردَّدُ أن يلسَعَ حين يُلسَع .وأقدّم عذري للكلمة البذيئة بحق الأكراد وجاءت في سياق التنافر والتهم في لحظة غضب وكل منهما ضرب خصمه بسهام كلماته ولم يُقصِّر.
هذا الرجل, اسماعيل جمعه, مرَّ في حياتنا القريبة فكان جزءً منها بمواصفاته هو.. شخصيته فريدة ومختلفة, ويتمتّع بمواهب وقدرات عاش على وهجهما فترة من الزمن وغادر ولكنه بقي في مخيلات عارفيه ذلك الإنسان الذي يستحق الذكر فذكرته.
كندا في 15 / 3 / 2013 .......................... هاشم .

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More