انها ام البطولات في زمن الشدائد وام السلام في زمن القصائد. مجدل عنجر هي إحدى القرى اللبنانية من قرى قضاء زحلة في محافظة البقاع.

2013/03/18

مَجدَلِيَّات 3 - للاستاذ هاشم يوسف



مَجدَلِيَّات 3 - للاستاذ هاشم يوسف


الشيخ فكري,
هذه العبارة, وحدها كافية الدَّلالة.. الرجل في تاريخنا ذو أثرٍ طيِّب, في حياته كان القائد, وفي مماته بقيَ العَلَم. يتذكرونه حتى اليوم وإلى سيرته يعودون . كان اسم الشيخ يتردد على مسامعي فشَكَّلَ لي هاجساً للتعرّف على سيرة الرجل ولم يتوَفر لي من مصادر المعرفة به إلا بعض كبار معاصريه وتلامذته من هؤلاء أبي , عبد اللطيف يوسف, و محمد حسون أبو هيكل , ومحمد أحمد ابراهيم عبد الفتاح, وراشد أيوب صبري, وحسين عبد الغني الخطيب, وكلهم من مجدل عنجر, ومن قرية الروضة أبرز رفاق الشيخ: محمد حسين السيد .
فكري محمد أمين البغدادي, عراقي الجنسية, وفَدَ إلى لبنان عام 1920 ونزَلَ في بيروت بضيافة قاضي زحلة الشيخ صالح المدهون. ثم حَلَّ في قرية الروضة في البقاع لأيام عاد بعدها الى بيروت ومنها الى منطقة الضنيّة في الشمال اللبناني وبقيَ هناك لخمس سنوات, عاد بعدها الى مجدل عنجر فأقام فيها عاماً كاملاً استطاع خلاله أن يندمج في مجتمعها بل أصبح أحد أهم مكونات ذلك المجتمع له دائماً فيه حضورُهُ ودورُه الرياديُّ المُشِعّ .. وبادلته المجدل حُبَّاً بحب وحَفِظت له كل الإجلال والتقدير.
بعد عامه المَجدَليّ هذا, طلب منه رشدي بك صاحب الجفتلِك: أن يقوم بمهمة الإمامة في قرية الروضة ففعَل, وانتقل إليها في أواخر العام 1926 وغادرها الى ربّه عام 1943 .
وُلِدَ لأبوين عراقيين, أبوه, محمد أمين البغدادي, كان مفتياً في العراق وقد قُطِعَت رجله في الحرب الكونيّة الأولى. أما أمه, فكردية من منطقة السليمانية . والمعلومات عن نشأته قليلة جداً.. وكثيراً ما كان يُسألُ عن أهله فيجيب : أنتم أهلي يابا .
الحاج محمد حسين السيد, يعرف من الشيخ مباشرة, أنه تولّى القضاءَ في القدس, ثم نزل دمشق وزار بعض علمائها, قبل أن يحُطَّ رِحاله في لبنان, ولكن" السيد" لا يعرف كيفية وصول الشيخ للقدس ولا سبب تركه لها.. ومن ذلك المنصب.
كان شديد الفقر الى درجة الإقلال, ضليعاً بالفتوى, ومتميزاً بعلم المواريث, يتقن العربية والفارسية والكردية والتركية.. وهو من مرتبته العلميّة تلك, جاء البقاع والجهل سيد الساحة والخرافات تغطي الحقائق وراح يجاهد ويرفض البِدَعَ المنتشرة حتى ضاق به البعض فشكوه الى الشيخ ابراهيم الغلاييني وكان مفتياً في قطنا وأحد أبرز علماء زمنه, والغلاييني أفتى بصحة ما يقوله الشيخ, بل وقال لهم بتواضعه المعروف لتأكيد مكانة الشيخ العلمية, قال: أتمنى لو أكون تلميذاً للشيخ فكري .
في بلدة قب الياس, كان الشيخ في مأتم أحد وجهائها من آل قزعون الى جانب لفيف من العلماء وجموع المشيعين وسمع صوت النّدَّابات.. فوقف أمام الجميع وقال لأحدهم : اذهب لآل الفقيد وقل لهم , إما المشايخ, وإما الندَّابات .. وانصاع القوم للأمر وأوقفوا النديب.
كان يُنكِرُ على الذين يُصَلون النوافل وعليهم قضاء صلوات.. ويرى أن دَيْنَ الله أحق بالوفاء.. وهذه شكّلَت للناس قضية أقاموا لها المناظرات ولم يجرِ الإتفاق عليها.. فأرسلوا يستفتون الأزهرَ في مصر, وجاء الجواب منسجما مع رأي الشيخ فكري.
يقول لي أبي, كان الشيخ يتردّد على أحد محلات زحله لشراء حاجاته وزحلة في ذلك الوقت مركز البقاع بحيث إذا أراد أحدهم شراء أي شيئ كان يذهب الى زحلة .. ونشأت بين الشيخ وبين صاحب السوبرماركت علاقة وِدّ وكانا يقضيان أوقاتاً يتباسطان فيها ويتحدثان كمسلم ومسيحي بأخوّة.. ومرة كان الشيخ يقول لصاحبه : ما يعني أن القرآن لم يترك أمراً لم يتحدّث عنه مُستنداً للآية الكريمة(وما فرّطنا في الكتاب من شيئ) فقال له صاحب المحل وهو من آل مسعد كما أعتقد ( يا شيخي.. إذا كان ربّك بيعرف كل شي وحكى عنو بالقرآن فيك تقللي مِدّ الطحين كم رغيف خبز بيعمِلْ .. وضحك الشيخ قائلاً : روح اسأل الفرّان.. قال صاحبه أنا بدّي إسأل ربّك ما بدي إسأل الفرّان.. قال الشيخ: ربي قال: (واسألوا أهل الذّكر إن كنتم لا تعلمون) وأهل الذكر بالشيئ أهل العلم به وربي ليس فرّاناً ).
الحاج محمد أحمد عبد الفتاح, كان صائماً في رمضان, وأجهدَهُ الصوم بسبب العمل وكاد أن يهلك, وعرف الشيخ فأرسل له أن يفطِرَ فوراً وقال له: لو مُتَّ وأنتَ على هذه الحالة مُتَّ عاصياً .
في الروضة, تزوّج الشيخ من السيدة "خديجة" ابنة حسين السيد وأنجبا أسرة بقي منها على قيد الحياة اثنان.. وفي موضوع زواجه يحضرني ما كنتُ لا أوَدُّ ذكرَه ولكنني رأيتُ أن أعطي كل ما عندي كما هو وفاءً للنص, ولمصداقية البحث. ولا أريد تصويرَ الشيخ كمن يكتب مذكراته فينفي أية سلبية في حياته ويجمع مثاليات العالم كله بشخصه الكريم.. وسمعتُ أنه لما دخل الشيخ فكري على عروسه, شكَّكَ بشيئ... وقد يكون لذلك أسباب صحية غير معروفة.. فتركها في سريره, وذهب الى أبيها, طرق بابه, فاستغرب العَمّ قدوم صهره العريس.. ليلة عرسه, وبلا مقدمات أبلغه الشيخ بما لم يعجبه ثم خَيَّرَه بين أن يعيد العروس إلى بيت أهلها.. أو يتوافقان على نصف المَهر المُتَّفق عليه .. ووافق العمُّ على المناصفة.
واستغربتُ أمراً كهذا.. يحدث مع عالم جليل كشيخنا.. وحاولتُ التَّثَبُتّ أكثر وثمّة من أكّدَ لي صحة الخبر, ومع ذلك حَملتُهُ للحاج " محمد السيد" وكنتُ على علاقة جيدة به نتيجة صحبته الطويلة لأبي..و قلت له: (عندي لك سؤال يا عمي الحاج, قال: اسألْ, قلتُ: سمعتُ أنه جرى مع الشيخ فكري في ليلة عرسه كذا وكذا.. ولم يتركني أكمِل وراح بنوبة ضحك طويلة حتى كاد ينقلب على ظهره.. ثم تماسك وسألني: عَمّي , قلت نعم, قال أتعرف من تكون العروس التي تتكلم عنها ؟, قلت لا والله , قال: هي أختي .
خجلتُ, وحاولتُ الإعتذار فكان كريما ومنعني أن أعتذر وقال : نعم هذا حَصَل والله يا عمي حَصَل) . ما عرفتُ كيف انتهت الزيارة لأواري نفسي من نظراته.. وكنتُ بعدها كلما التقيته أخجل.. ولم أرْوِ الأمرَ لأحد .. ورأيتُ الآن أن أفرِجَ عنهُ خدمة للنصِّ.. وما أردتُ الإساءة.
وكما اتفقنا على أن نروي الأمورَ كما هي, فقد علِمتُ, أن رجل دين شيعي من آل الأمين من قرية شقرا في الجنوب قام بزيارة عائلة من آل حَمِيّة في برالياس وهذا هو البيت الشيعي الوحيد في القرية أصحابه نزحوا إليها من منطقة بعلبك والناس في ذلك الوقت كلهم أهل بلد وجيران . صاحب البيت دعا للعشاء عدداً كبيراً من أهالي برالياس تكريماً للضيف وامتدَّت السهرة بعد العشاء, وتحدث الضيف في كثير من القضايا حتى أحرجه أحدهم بسؤال عما ينسبه الشيعة للسيدة عائشة بما يُعرَف بحادثة الإفك.. والقصة ليست سراً, والسيد الأمين أكَّدَ الأمر ولم ينكرهُ .. مما أثار حفيظة البعض وأحدهم لم يحتمل المشهد وعجز أن يردَّ على المتحدث فترك السهرة وذهب إلى بيته فركِبَ بغلتهُ وانطلق إلى الروضة حيث السيارات قليلة جداً في حينه.. وفي الروضة قرع باب الشيخ فكري, وروى له الحديث الذي جرى في برالياس, وطلب مساعدته والشيخ لبّى.. وعلى البغلة جاء مع صاحبه.. وووصلا برالياس والوقت أصبح متأخراً والناس في السهرة بدأوا بالإنصراف والذين بقوا تفاجأوا بالشيخ فكري, ووقفوا إجلالاً, كما رافقه صاحب البيت في مصافحته للضيوف حتى وصل للسيد الأمين في صدر المجلس وعرّفهما على بعضهما.. وكان السيد الأمين شاباً وسيماً ممشوق القامة فنظر إليه الشيخ مستعرضاً طوله وسأله: شيخنا هل أنتَ متزوج؟ قال له: الحمدلله .. وبدا عليه الإستغراب للسؤال.. وتابع الشيخ فكري: وهل زوجتك ممشوقة القَوام مثلكَ تلذُّ الرجال؟ فاستشاط السيد غضباً وقال : ألا تحفظ للنساء حرمات أيها السافل ؟ أجابه الشيخ بهدوء : أوَ تحفظ لزوجتكَ حرمة ؟ ولا تحفظ لمحمدِ بنِ عبدالله حرمةً في زوجته أيها الرجل.. وعرف الجميع حينها سبب قدوم الشيخ المباغث.. ودار اللغط, وكادت المعركة تقع بين مُعجب بما قاله الشيخ وآخر ساءه الأسلوب .. والضيف أقسم أنه لن يبقى في المنزل الذي هو فيه دقيقة واحدة والشيخ فيه.. فتمَسّكَ به أهالي برالياس على عادة الريفيين في إكرام الضيف.. واستضافه أحدهم, كما بقي الشيخ فكري في ضيافة صاحبه. وقد اقترب موعد بزوغ الفجر .
بقي مما أعرفهُ عن الشيخ فكري البغدادي, أو فكري أبو صالح, كما يعرفه البعض, أنه أصيبَ بمرض السرطان وتوفي في يوم ثلاتاء من تشرين الثاني عام 1943, وقد اجتمع في مأتمه حشدٌ من العلماء كما وجموع البقاعيين ملأتِ السهلَ والوعرَ .. ورثاه كثيرون بينهم مفتي زحلة والبقاع الشيخ حسين شمس الدين بقصيدة وجدتها في محفوظات السيد ابراهيم درويش صالح, (أبو صادق) والعمّ أبو صادق أعطاني دفتره فكتبتُ عنه القصيدة.. واستعرتُ منه قصة محسن الهزان, كما أطلعني على ما لديه من كتب.
يقول الشيخ حسين شمس الدين :
خطبٌ عظيمٌ حَلَّ بالعلماءِ :: وأسىً بكلِّ عِمامةٍ بيضاءِ
ماذا دهى الشرعَ الشريفَ وأهلَهُ :: هل مات صاحبُ حُجّةِ الإفتاءِ
قالوا نعم فكري الشريف لقد هوى :: واسوَدَّ أفقُ الكونِ بعدَ ضياءِ
علاّمةَ الإسلامِ عَجّلتَ السُّرى :: وتركتَ قومَكَ في ضنىً وعَناءِ
جئتَ البقاعَ وأهلُهُ في غفلةٍ ::لاهون في دنياهم الخضراءِ
فصرختَ فيهم صرخةً فبعثتهم :: من عالَم الأموات للأحياءِ
أنتَ الغريب عن الديار وأهلِها :: أبشرْ فعقبى الدار للغرباء
أبقيتَ ذِكراً في البقاع كأنه :: شمسٌ وتلك مزيّةُ العلماءِ
بغداد تبكي بعد هجرِكَ لوعةً :: دار السلامِ عشيقةُ الفقهاءِ
فتركتَها حُباً بسهل بقاعِنا :: والحُبُّ فوق الأهلِ والأبناءِ
قد كان حُبُكَ للهداية والتقى :: والنصحِ والإرشادِ للجهلاءِ
يا شيخَنا بالفقهِ.. قد ذكَرتنا :: بالشافعيِّ وصاحبِ الإحياءِ
يا شيخَنا ذكراكَ ملء قلوبِنا :: وقلوبُنا ضاقت من الأرجاء
قد طاب ذكرُكَ في البقاع وأهلِه:: وغدتْ شجونُ الشِّعر ملءَ رِثائي
عفواً إذا ما قلتُ جئتُ معزياً :: إن التعَزّي شيمةُ الأحياءِ
يا صِهرَ هذا السهل يا رمزَ الهدى :: نم آمناً في جنّة العلياءِ
مني السلامُ على ضريحكَ طالما :: نهرُ الغُزَيِّلِ جارياً بالماءِ
هذه نبذة من حياة رجل كان نبذةً من حياة قرية وأساساً من نسيجها .
جاء في بداية النص حديث عن الجفتلك, والكلمة تركية, جفت تعني مزدوج, ولهذا يسمون بارودة الصيد ذات السبطانتين أو المجرَيَيْن.. جفتاً, و لِكْ هي ألّ التعريف. والمقصود بها هنا الأرض المنبسطة الصالحة للزراعة التي تُحرَثُ أو تُفلَحُ على مزدوج.. أي ثوريْن مثلاً. والجفتلِكْ, قطعة أرض واسعة مساحتُها 14 ألف دونماً وتشمل عدة قرى هي (كفرزبد, عنجر, الروضة, حوش الحريمه). هذه الأراضي أقطَعَها السلطان عبد الحميد العثماني, لِ "درويش باشا" ساري عسكر السلطان, مقابل قيادة الجيش لثلاثة أشهر.
كندا في 5 / 3 / 2013 ..................................... هاشم .

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More