انها ام البطولات في زمن الشدائد وام السلام في زمن القصائد. مجدل عنجر هي إحدى القرى اللبنانية من قرى قضاء زحلة في محافظة البقاع.

2013/03/16

‫مجدليات 2 - للاستاذ هاشم يوسف



أبو سعيد درويش عبد الخالق, صديق وأيُّ صديق, بيننا حكاية عُمْرٍ لا أستطيع تحديدَها بدقة.. لكنني أعرف أن الرجل في علُوِّهِ الستيني.. طوى حوالي الأربعين عاماً ونيّفٍ هي فارق العُمْرِ بيننا واتخذني أنا ابنُ العشرين صديقاً.. وكانت بيننا مودَّةٌ ولا كالمَودّات.
مادة الصداقة بداية كانت ثقافية أقرأ فيها لأبي سعيد وآخرين سيأتي ذكرهم لاحقاً.. أقرأ لهم في روايات زمن كانت قصص البطولات فيه لغة جيل يرى فيها رجولته وقِيَمَه كما يفهمها هو بغضِّ النظر عن أي شيئ أو منطق أو مفهوم آخر. مادة قراءاتنا توزعت على: عنترة / فيروز شاه ابن الملك ضاراب/ بني هلال/ والملك سيف بن ذي يزن . وتطورَتْ العلاقة بين درويش وبيني لترتقي لصداقة حقيقية بحيث أصبح كل منا يرى بالآخر بعضاً من يومياته واهتماماته وحياته.
خدَم درويش في الجيش التركي كعسكري إجباري بمفهوم اليوم ولم يكن له خيار..كانت فترة استعمارية قاسية خدمة للعثمانية التي وضعتْ ما يُسَمّى بنظام "سَفَرْ برلِكْ" أي السفر بالبرّ, وجنّدَتْ كل الشباب القادرين على حمل السلاح في جيشها وهؤلاء الشباب تقاذفتهم حظوظهم في حلّهم وترحالهم ومنهم درويش الذي وصل به المطاف كما كان يقول الى "بونس آيريس" ويصعب التحقّق من معلومات ذلك الزمن لانعدام المعرفة والإتصالات والمواصلات.. وقد يكون درويش وصل الى بونس آيريس أو شُبِّهَ له لا فرق . وكان يحفظ بعض الكلمات الأرجنتينية . كان مَهيبَ الطلّة وقوراً إذا تكلم يحمل على الثقة وينال من جلسائه كل احترام .
في حياة هذا الدرويش محطات, اخترتُ الحديثَ في بعضها لإمتاعكم وقد أمتعتني وأعتبرها تعريفاً بالرجل وبتاريخه وهذا بالنتيجة يخدم التأريخَ للبيئة التي عاش فيها درويش وللضيعة التي تنسّمَ هواءها مجدل عنجر.
عريساً كان, وقد خطَبَ لنفسه الفتاة التي أحبها حتى وفاته ولم ينسَها لحظة رغم وفاتها المبكرة وزواجه من غيرها.. هذه المحظوظة بحب درويش هي " رفاعية عبد الواحد" . في فترة خطبته , امتدَّتْ اليه يدُ السّخرة وأخذوه عنوة للتجنيد.. وراح كغيره يتنقّل من مكان لآخر وهو يتحرّق للقاء الحبيبة وهي على ذلك لا شك .. وبينما هو في أسفاره جاءته رصاصة أو شظية أصابت عينه فوضعوا له في العسكرية التي تفتقر الى أدنى مقومات الإسعاف والعلاج.. وضعوا له ربطة على عينه وصرفوه من الخدمة كأعوَر.. وعاد الى الضيعة, وانتشرت أخبار عَوَرانه.. فوصلت للعروس الحزينة التي حاولت لقاءه للإطمئنان ورفض هو أن يلتقيها.. ومنعه عنفوانه أن يفرض نفسه عليها كأعور أوأن تحتمله هي شفقة منها عليه.. وباءت محاولاتها للقائه بالفشل, ولكن القدر تكفّلَ بالأمر فهيّأ السبب .
أهل العروس مزارعون ككل أهل الضيعة, كانوا في موسم الصيف يجنون مواسمهم , ويرجدون.. والرجيدة هي نقل الحبوب من البيدر الى التخزين في المنزل , وصدف أنهم أي أهل العروس, جاءوا بعديلة (كيس أو شوال كبير) مملوءة بالحمّص والحمّص بالوزن ثقيل.. وكالعادة في مثلها, يتبرّعُ أحد الشباب بحملها على ظهره والصعود على السلّم الخشبي الى السطح لتفريغها من على السطح بواسطة فتحة تصب في وسط غرفة المؤونة كانوا يسمونها الرّوْزَنة. وحاول الشباب حملَ العديلة وعجزوا لثقلها .. وتجمَعَت الضيعة بكاملها وشعروا بالمأزق وبالعيب.. وهل يُعقَل أن يُقال أنهم لم يجدوا بين الشباب من يحمل العديلة.. ويا للعار.. وفي لحظة ملتهبة صَدرَتْ عن أم رفاعية أي أم العروس عبارة سمعها البعض تقول : والله لو كان صهري درويش هنا لَحَمَلَ العديلة على ظهره كالرغيف.. وحَمَلتِ الخبرَ إحدى رفيقات العروس فوراً إلى درويش.. فلعبَت برأسه النخوة وخرج بلا تردّد إلى ساحة المعركة والناس قيام.. حَنى ظهره للعديلة وتعاون بعض الشباب بإمالتها عليه.. فتمسّكَ بها وصعد السلّم وكأنه يحمل الرغيف.. وما وصل الى السطح ورمى العديلة عن ظهره إلا وزلغَطَتْ حماته بين الناس ليلي ليلي ليش.. وهو ما إن سمع زغرودتها, وأحسَّ بالنشوة وهو يكِزُّ على نفسه .. حتى شعرَ بشيئ ساخن يسيل على خدِّهِ.. غطاه بيده وراح يركض الى البيت وهو يظن أن عينه كلها خرجت من مكانها ولا يريد لأحد أن يرى عورته من جديد.. ووصل البيت فرفع يده عن خدِّه ليجد في كفه الشظية الذي كانت في عينه وعجز طِبّ السلطان عن استخراجها فخرجت ملطخة بالدم نتيجة الحالة النفسية التي كان بها في معركة العديلة والتي هي في حقيقتها معركة الشباب والحب والعنفوان.. وانتشر الخبر وبدأ المهنئون بالتوافد وفي طليعتهم العروس وأم العروس وكل أهلها..وعلى مدى أيام توقف نزف العين وعادت العافية للعلاقة بين العروسَيْن الحبيبين .. وأنتهت بالزواج .
دام زواجهما فترة أنجبا ولداً أسمياهُ سعيداً , وسعيد هذا تزوّج وأنجب , ثم وبحادث مؤسف توفي وله ثلاثة أولاد. أما رفاعيه, بطلة قصتنا لهذا اليوم , فقد توفيت ولم تُعَمِّر كثيراً ولكنها بقيَت في قلب زوجها درويش لم تفارق مخيلته حتى وفاته وقد عَمَّر .. وهو ما ذكرها أمامي مرةً إلا بحب وإلا بالخير .
وفي فترة لاحقة وكان لأبي سعيد أخٌ يُدعى اسماعيل ولرفاعية أختٌ أحبها اسماعيل وأحبته ووصلت الأمور بينهما للخطبة ومن ثم بدأت التحضيرات لزواج العروسين.
بدأت أم العريس في طبخ ما يلزمها من مآكل ليوم العرس وذلك في مطبحها الصيفي في الهواء الطلق في زاوية الدار (موأدة حطب ) وكان درويش في مكان ما وعاد الى البيت ولدى دخوله من بوابة الدار لاحظ أن أمه لوحدها تقوم بمهمة الطبخ ورفاعيه لا تساعدها فدخل على زوجته وسألها عن عدم مشاركتها لأمه في تحضيرات العرس .. واكتشف أن سوء تفاهم وقع بين الإثنتين أدّى الى اعتكاف رفاعية .. والقضية كانت أن أم العريس التي هي أم درويش ساءها تصرّف من أهل العروس وهم أهل رفاعيه وتكلمت عليهم بكلام أغضب رفاعية على أهلها فتركت حماتها احتجاجاً ودخلت بيتها. درويش لم يعجبه موقف زوجته.. وطلب منها العودة لمساعدة أمه.. ورفضت. غضب درويش, وقال : (أنا طالع من البيت, ويمين بألله, إذا رجِعتْ وما كنتي عم بتساعدي أمي.. ما بتعرفي شو رح يصير بيني وبينك ) وصفق درويش الباب وخرج . وهنا سأروي بالضبط كيف حكى لي القصة وبلغته.. وكان أمامي بلحيته المشَذّبة الجميلة, ووجهه المُشَرَّب بالحمرة, وهدوئه المعروف به تشع منه ملامح الهيبة والصدق والإتزان .. وهو هنا في سبعينات عمره.. وما بدأ حديثه حتى سبقته دموعه فبللتْ وجهه المشرق وفرضت على جلستنا نوعاً من الرهبة والجدّية وكأننا في معرض معالجة أزمات الدنيا وسألته عما أبكاه وابتدأ. الحديث الآن يرويه أبو سعيد يقول : ( عم ببكي عا رفاعية , ألله يرحمها, ماتت بكير.. وتجوّزت غيرها لكن قلبي بقي معها.. والله والله.. ما غابتْ عن بالي يوم كانت حنونه, مرتي هلّق مش متلها لأ .. ما حدا متل رفاعيه..) وقاطعته , عم بوسعيد خلينا بحديث العرس اذا بتريد .وقال (أنا عمِلتْ قبضاي قدام رفاعيه وجيت عالساحه.. ما كنت أعرف شو بدّي أعمل.. كيف عمِلت بحالي هيك, صار الشيطان يوسوس لي بلكي رفاعيه ضلّت على كلامها وما ساعدت أمي وأنا مش قادر إتراجع عن اللي قلتو وإذا رفاعيه تركتني كيف بدي عيش بلاها .. المهم انشغل بالي ورجعت على البيت والدنيا اسودت بوجهي وخايف من النتيجه.. دخلت من بوابة الدار .. أول ما وقعت عيني عليه .. كان......... رفاعيه قدام الموأدة عم توئد حطب .. وأمي حدّ منها.. وعم يضحكوا وكأنو ما في شي) . وشرَق بدموعه واللوعة تكاد تقضي عليه فقدمت له الماء وحاولتُ إراحته قليلاً ولكنه تابع ( أنا شفتها عم تشتغل وقلبي طار من الفرح .. لكن بدي ضلّ رِجَّالْ.. وما بدي بيّن اللي بقلبي . عند المغرب, فاتِتْ عالبيت, ما حاكتني ولا حاكيتها.. وبدنا نتعشّى , تطلّعت لقيتها طابخا مَقلْ فدريّه.. رحت جبت شقعِةْ خبز وقعدت عالمقل وبلّشت أكل وهي عم تتطّلع من بعيد وأنا عم باكل بلا وعي وعقلي عندها.. وانتبهت بالآخر إني أكلت كل مَقل الفدريّه .. وما خليتللها شي تاكلو .. وهي ضلّت ساكته لكن كنت حِسّ إنها بدها تضحك وما بدها تخلليني أعرف .
وإجا وقت النوم .. قامت ألله يرحمها.. مَدِّت الفَرشي اللي عم بننام عليها وحطِّتْ اللحاف والمخدّه متل العادة وراحت مَدِّت الفرشي التانيه لأنو نحن بجهازنا طيلعنا فرشتين.. وجابت اللحاف التاني حَطِّتو عالفرشي لتنام لوحدها وراحت تجيب المخدة .. قمت أنا حملت الفرشي تبعها واللحاف وحطيتهن فوق فرشتي ولحافي وحطّيت حالي عالفرشتين وتغطيت باللحاف وعمِلت حالي نايم بس أنا نايم .. لا والله .. هي جابت المخده ورجعِت وشافتني شوعملت.. حطِّتْ حالها وقعدت مع الحيط .. أنا ناطر .. وهيّي ناطره .. بالآخر كِعيتْ .. قرّبِتْ صوبي.. رفعت طرف اللحاف وبدها تخرُق حدي .. وأنا متل النار عَبطتها.. حَطّيتها بقلبي.. وكانت ليلي.... ).
كندا في 26 / 2 / 2013 ..................................... هاشم .

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More