انها ام البطولات في زمن الشدائد وام السلام في زمن القصائد. مجدل عنجر هي إحدى القرى اللبنانية من قرى قضاء زحلة في محافظة البقاع.

2012/02/23

مقام النبي العزير في تلة عنجر



كانت منطقة عنجر عبر التاريخ ملتقى الحضارات والثقافات المتنوعة، وموطناً لكثير من الشعوب، من «مصريين وآشوريين ولكدانيين وحثيين... إلخ«. وعلى المستوى الجغرافي والإجتماعي، كانت نقطة جذب بين قرى البقاع الأوسط، ما يدل على الأهمية الكبرى التي كانت لها في محيطها، كما يذكر الدكتور أحمد عبده العجمي - دكتور وباحث في علم التاريخ. - إلا أن ما زادها أهمية وجود مقام «النبي العزير« على تل مرتفع. فما هي قصة هذا المقام؟ وما الذي يجعل الناس يتهافتون لزيارته وللإحتفال في حضرته؟

يصف الدكتور العجمي «مقام النبي العزير« بأنه يقع عند تقاطع طريق الشام المواجه مع بلدة مجدل عنجر والمجاور غرباً لبلدة عنجر على تلة ترتفع حوالي 150 م، وهو عبارة عن بناء حجري قديم، وقبة لولبية الشكل أيضاً من الحجارة القديمة، وسطحه من التراب، أما داخله حيث «المقام والقبر« فهو على شكل منشور طوله حوالي 8 أمتار وعرضه حوالي المتر أو أكثر، يُغطى بالسجاد الأخضر، وإلى جانبه حجر ضخم لإضاءة الشموع والبخور إضافة إلى وجود «مصلّى«.

ويضيف الدكتور العجمي «أن هذا المقام قديم جداً في التاريخ ولا ندري بالتحديد متى شُيّد، ولكن جل ما نعرفه أنه في شهر نيسان من كل عام يقام إحتفال على أرضه، إحتفال يُسمى بـ «خميس الدعسة«، وتحتفل به بلدات المنقطة: مجدل عنجر، الصويري، المنارة، الروضة، بر الياس، كفرزبد، الدلهمية وحوش الحريمة، في أحد أيام الخميس، وكل بلدة تحضّر في الأيام التي تسبق ذلك اليوم ما يسمى «بالنوبة«.

و«النوبة« يقول الدكتور العجمي هي عبارة عن أعلام مزركشة، مزينة بالآيات القرآنية وكلمات «الله، الله أكبر، محمد رسول الله«، بالإضافة إلى بيارق مختلفة الأشكال والطبول والدفوف والخلاليات والشياش وما شابه ذلك. وهذا العيد هو عيد سنوي له تقاليده وأعرافه ونظامه في تلك المنطقة، وإذا كانت سنوات الحرب الأهلية قد طمسته في أيامنا الحاضرة فإن الإحتفال به في الماضي كان يدوم أياماً عدة من البهجة والسرور.

ويعود تاريخ هذه المناسبة إلى أيام صلاح الدين الأيوبي وانتصاره على الصليبيين في القدس، حيث حمل الجنود الأعلام والبيارق والطبول وردّدوا العبارات والأهازيج الدينية فرحاً بانتصارهم في الحرب.

التحضيرات للمناسبة

بعد استكمال التحضير ليوم الإحتفال تصل الوفود إلى أرض المقام، ويقوم الخيالة ببعض العروض أمامها، ثم يبدأ الإحتفال بقرع الطبول والمزاهر والخلاليات ويرافقه حملة الأشياش. و«الشيش« هو عبارة عن قضيب حديد يبلغ طوله حوالي 50 سنتم مسنّن الرأس يدخله الشباب في مناطق مختلفة من الجسم، كالخد والرقبة والبطن، ويخرجونه من مكان آخر ومن دون أن تظهر نقطة دم واحدة، وكل ما في الأمر أن «شيخ الطريقة« من مجدل عنجر وهو المرحوم الحاج عبد الغني الخطيب كان يقرأ على هذه الأشياش قبل إدخالها في الجسم آيات قرآنية محدّدة. السيوف كذلك لها مكان في هذا الإحتفال، وتكون مسنّنة كالشفرة، يستخدمها أشخاص في ضرب بطونهم وظهورهم وأكتافهم بعد أن يقرأ عليها الحاج الخطيب آيات قرآنية، فلا تظهر أي نقطة دم على أحد منهم، ويرافق ذلك تكبير وتهليل «الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله محمد رسول الله«.

الدعسة

بعد ذلك تبدأ عملية «الدعسة« وهي الأساس في هذا الإحتفال، حيث ينبطح شباب على الأرض، ويقوم أحد الفرسان بالسير بحصانه على ظهورهم ذهاباً وإياباً عدة مرات، واللافت أنه بعد الإنتهاء من ذلك يؤكد هؤلاء الذين داسهم الحصان أنهم لم يشعروا بشيء. والغاية من هذه «الدعسة« هو الإعتقاد السائد بأنها تشفي الأمراض بإرادة رب العالمين. وبعد الإنتهاء من مراسم الإحتفال يصعد الناس إلى المقام ويدخلونه زرافات ووحداناً ويقومون بتقديم النذور وقراءة الآيات القرآنية. إضافة إلى إشعال البخور ونحر الخراف وما شابه، كما أن هناك بئراً عميقة إلى جانب المقام، كانت النسوة العاقرات ينزلن إليها لاعتقادهن «أنهن سينجبن بمشيئة الله«. ويقول الدكتور العجمي إنه بعد الإنتهاء من الإحتفال تعود الحشود إلى قراها حيث تستمر الإحتفالات «ثلاثة أيام بلياليها« وهم كانوا يعتبرون أن الإحتفال «بخميس الدعسة« في «تل النبي العزير« المناسبة الوحيدة التي يفرحون بها وينتظرونها من عام إلى عام. إضافة إلى العيدين الرئيسيين الفطر السعيد والأضحى المبارك، وكذلك «ذكرى الأسراء والمعراج وميلاد النبي«، وتتمثل مظاهر ذلك لدى الكبار والصغار بشراء الثياب الجديدة وطهو المأكولات الشهية مثل «الزلابية، والكعك والبيض المسلوق الملون«.

هكذا كان إحتفال «خميس الدعسة« قبل الحرب اللبنانية، أما اليوم فقد بات ذكرى يتداولها أهل مجدل عنجر حين يستعرضون ماضيهم أمام الأبناء والأحفاد


Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More