انها ام البطولات في زمن الشدائد وام السلام في زمن القصائد. مجدل عنجر هي إحدى القرى اللبنانية من قرى قضاء زحلة في محافظة البقاع.

2011/09/30

الكسّارات تأكل الأخضر واليابس … وتهضم حقول العمّال



أسامة القادري - الاخبار

كلّما أثير موضوع الكسّارات في لبنان، كانت الإشارة غالباً إلى مخالفة القانون في موضع قضم الجبال وتشويه الطبيعة، في ظلّ التغطية السياسية لبعض النافذين. ويطول الحديث عن الأضرار الجسيمة التي تُلحقها هذه الكسّارت بالبيئة وبمجاري الأنهار الجوفية، وعن التصدّعات التي تصيب المنازل المحاذية لها جرّاء الانفجارات الضخمة و«القذائف العشوائية». وفي منطقة البقاع تطاول هذه «التصدّعات» منازل منطقة ضهر البيدر في خراج عين دارة العقارية، والمطلة على مساكن أهالي بلدة قب الياس، أو في المنطقة الفاصلة بين خراجي بلدتي مجدل عنجر والدكوة في البقاع الغربي، أو حتى في منطقة قوسايا شرق مدينة زحلة.
الأمر الذي قلّما يلتفت إليه المتابعون هو وضع عمّال الكسّارات، الذين لا يخضعون للضمان الصحي أو التأمين على الحياة، رغم المخاطر التي يواجهونها في عملهم، إذ يكشف السؤال عن الضمان الاجتماعي، أن أحداً من العمال الذين يبلغ عددهم في نحو 12 كسارة في منطقتي ضهر البيدر والبقاع الأوسط والغربي، نحو 450 عاملاً، 70% منهم غير لبنانيين، لا يجرؤ على التصريح باسمه الحقيقي، خوفاً من أن يتحوّلوا إلى عاطلين من العمل، هذا على الرغم من سوء أوضاعهم.

وسام (اسم مستعار) رفض الإفصاح عن اسمه الحقيقي خوفاً من أن تقطع إدارة الكسارة التي يعمل فيها «لقمة» عيشه، وتستبدله «بأحد العمال الهنود براتب 150 $ و200$»، كما حصل مع العشرات من زملائه، كما يؤكد. يبدأ بالحديث عن أن عدد العمال اللبنانيين تقلص من مئة عامل إلى أن أصبح لا يتجاوز العشرة، والباقون وفق جنسياتهم 75 عاملاً سورياً، و15 عاملاً هندياً.
وعن ظروف عمله، يقول إنه يعمل في كسارة «مرخصة» في ضهر البيدر، ورغم أنه لا يحمل رخصة قيادة آلية ثقيلة، إلا أنه يعمل سائق جرافة بأجرة 500 $ شهرياً مقابل 12 ساعة يومياً. يبدي تخوّفه بعدما شهد مقتل أحد العمال دهساً بجرافة، وقد حاولت إدارة الكسارة «لفلفة الموضوع على أساس أنه قتل بعدما سقطت عليه الجرافة وهو يقوم بإصلاحها» يقول: «عوّض على ذويه بمبلغ بسيط من دون أن يكون له راتب شهري لعائلته». وعن موقف إدارة الكسارة إذا تعرض لمشكلة خلال عمله، يقول: «تقوم بمعالجتي على نفقتها، وإذا حصل حادث وطلب مني رخصة القيادة هني بيزبوطها».
محمد العلي تعرّض لحادث في كسارة مرخصة كان يعمل فيها. وقد ترك العمل بعدما تعرض لكسور في قدميه ورأسه جراء سقوط الصخور فوق الجرافة التي كان في داخلها. يقول إنهم أدخلوه إلى المستشفى، وبعدما جرت معالجته خيّروه إما أن يعود الى العمل وجهاز الجفصين في قدميه، أو أن يرجع الى بيته. «وبيستغنوا عن شغلي بعد أربع سنين». ترك الرجل العمل، من دون تعويض حتى عن الفترة التي قضاها لتلتئم جراحه. عجزه عن المطالبة بحقه عبر القضاء اللبناني، جاء خوفاً من أن يُضبط بمخالفة لكونه لا يحمل «إقامة عمل»، التي بموجبها يحق له العمل وتحفظ له حقوقه لأنه سوري الجنسية
وليد أيضاً (اسم مستعار)، يبدأ اعتراضه من عدد ساعات العمل يومياً، التي تخالف الأصول القانونية لحق العامل، وخاصة في مثل «هذه الأشغال الشاقة» كما يصرّ على تسميتها. يقول «من الفجر للنجر». فهو ينطلق من الخامسة صباحاً إلى الكسارة ويبقى حتى الساعة السادسة مساءً.
العاملون في قسم التفجير، منهم من اكتسب خبرته في الأحزاب اللبنانية، وعمل فيما بعد في الكسارة، ومنهم من اكتسبها من الذين عملوا قبله في هذا المجال. طبيعة عمل هؤلاء تجعل إصاباتهم عادة مرتبطة بفقد أصابع الكفين، لكن التعاطي معها من قبل الشركة لا يختلف عن حال من توفي أو كُسرت قدماه. يروي وليد ما حصل مع زميل له عندما بترت أصابع كفه وهو يقوم بإصلاح «قشاط الكسارة». على الفور، نقل إلى أحد المستشفيات المتعاقدة معها الإدارة وعالجوه، وبعدما تماثل زميله للشفاء، عاد الى العمل من دون أن يعوّض عليه «لأن هذا العمل سبب له إعاقة دائمة في إحدى كفيه». يرسم وليد على وجهه ابتسامة صفراء، ليقول مستهزئاً «أنت في لبنان مش بكندا، إذا انقطع إصبع عامل هونيك بيعوضوا عليه بنصف مليون دولار، عنا الإنسان ما إلو قيمة».
يبتسم حسن وهو يحاول أن يزيح عن وجهه الغبار الذي لم يترك حتى «رموشه» إلا وجد منها محطة لأثقاله. يقول: «حكي القرايا غير حكي السرايا، دولتنا بس قوية على الضعيف». انتقاده هذا يأتي من يقينه من أن صاحب الكسارة، وهو قريب لوزير في الحكومة الحالية، ونائب عن منطقة البقاع، «ما بيقدر عليه قانون، برخصة لكسارة واحدة بيشغل ست كسارات». يتنهد متمتماً بشتائم نابية تتناول الدولة التي لم تلزم الكسارات المرخصة أو عاملة بمهل قانونية، أن يكون جميع عمالها لبنانيين أولاً، أو أجانب حاصلين على إقامة عمل، وأن يكون الجميع خاضعين للضمان الاجتماعي بعد ثلاثة أشهر من العمل. «حتى ما نضلّ تحت رحمة عبادين القرش». يقول إنه يعمل منذ 7 سنوات في الكسارة، «أول أربعة أشهر سأل عن الضمان الاجتماعي فكان الجواب، ما في ضمان، واذا بتضل تسأل ما في شغل، ومن يومها بنخاف نسأل حتى ما يكشونا». وبسبب طبيعة عمله في غبار الصخور، أصيب بحساسية صدرية، فلم يعدها رب عمله إصابة عمل، «ما حدا بيساعدني بالدوا، عندما أنجبت زوجتي قبل ثلاثة أشهر بست مية إيد وإجر، حتى يخفّفوا عني فاتورة المستشفى».


Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More